السيد محمد تقي المدرسي

343

من هدى القرآن

[ 33 ] هكذا جاءت الرسالة تأمر موسى بمقاومة الانحراف ورأسه فرعون . قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ وربما كان موسى يعني ذلك القبطي الذي وكزه فقضى عليه . [ 34 ] وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ . ونستفيد من هاتين الآيتين أمرين : 1 - أن خوف موسى عليه السلام لم يكن على نفسه ، فقد باعها برضوان ربه والجنة ، ولم يعد من مدين إلا ليجاهد الطاغوت ، ولكن خوفه كان على الرسالة ، لأن قتله يعني عدم وصولها إلى بني إسرائيل ، كما تكذيبه يعني فشله في تبليغها أو لا أقل تأثيره عليهم بها . 2 - أنه عندما طرح هذه المشاكل أو العقبات التي تعترضه ، لم يكن هدفه التبرير والتملص من تحمل المسؤولية ، وإنما البحث عن الحل . وهكذا ينبغي للإنسان الرسالي حينما ينبعث إلى مهمة ما ، في أي بلد أن يستعرض العقبات والمشاكل بحثا عن الحل لا التبرير . [ 35 ] قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ أي سنقوي كيانك بهارون ، وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا . قد يقول البعض إن ذلك نبي الله ، أما نحن فكيف يكون لنا هذا السلطان ونحن لا نملك عصا موسى عليه السلام ؟ ! . بلى ؛ ولكن الله يقول : بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ، إن الذي يلتزم بالرسالة هو الذي ينتصر ، وما دام المسلمون يتبعون آيات الله فإنهم الغالبون ، كما انتصر موسى وهارون ومن اتبعهما من بني إسرائيل ، عندما التزموا برسالة موسى عليه السلام . [ 36 ] فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ لا تقبل التشكيك ، ولا تشبه السحر ؛ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ . إن مشكلة هؤلاء هي النفس البشرية التي تعودت على عادات معينة ، وتريد الاستمرار عليها ، وبالتالي ترفض كل جديد لأنه جديد ، وفي مطلع سورة الشعراء نجد إشارة إلى هذه الكلمة : وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ [ الشعراء : 5 ] . [ 37 ] ولكن أمام هذا الإعراض ماذا كان موقف موسى عليه السلام ؟ . إن الأنبياء والأولياء عليهم السلام ، وكل من يسير في خطهم يتوكلون على الله ، ويرجعون كل